السبت، 13 أبريل 2013

أثر الدعاية والإعلان على المستهلك

الأثر الاجتماعي للدعاية والإعلان يقول الباحثون إن المجموعات المختلفة التي ينتمي إليها الأفراد سيكون لها عادات اجتماعية تفرض ما هو مقبول وما هو مفروض على الأفراد. وتعتبر الطريقة التي ينظر بها الفرد إلى دوره داخل الجماعة التي ينتمي إليها عاملاً مهمًا في شرح دوافعه واختياراته، ويجب على الإنسان ألا يشعر بالفردية ولكن يجب أن يؤقلم نفسه مع المجموعة، وفي هذه الحالة يحاول أن يشكل عاداته وحاجاته وفقًا لظروف الجماعة التي ينتمي إليها. وبنفس الوقت فإن الأفراد هم الذين يغيرون عادات المجتمع, فإذا تبنت فئة من الناس عادة ما, تبعها آخرون وهكذا حتى تصبح العادة منتشرة في كل المجتمع. ولهذا صرنا نجد أن العادات الاستهلاكية في المجتمع قد تغيرت بصورة كبيرة وذلك بسبب تغير العادات الفردية فالعلاقة بين الفرد والمجتمع علاقة تبادلية فهو يتأثر ويؤثر, بالتالي فإن تأثره بالدعاية والإعلان ينعكس على المجتمع ككل. إن الملاحِظ للمجتمع يجد أن هناك ما يمكن تسميته بـ"سعار استهلاكي" جماعي, فقد انتشرت في المجتمع عادات استهلاكية عديدة, منها مثلاً سعي الأسر لامتلاك كافة الأدوات المنزلية المتطورة حتى لو كانت لا تملك ثمنها بعد أن انتشرت في المجتمع عادة الشراء بالتقسيط, ونجد اليوم أن كل أسرة ضعيفة الدخل أو متوسطة الدخل تُراكم على عاتقها أقساطاً كثيرة بسبب شرائها لأشياء ضرورية وغير ضرورية تحت تأثير دعاية البيع بالتقسيط. وكذلك سعي الناس لشراء السيارات وامتلاكها, والتي أصبحت للأسف دلالة على مكانة الفرد في المجتمع, وصرنا نجد أن بعض الأفراد يسعون لامتلاك سيارة بأي شكل من الأشكال حتى لو اضطروا لسحب القروض من البنوك أو الاستدانة, وذلك تحت تأثير الدعاية والإعلان الذي يصور ركوب السيارة وامتلاكها دلالة على المكانة والرفاهية المطلقة, وفي بلد كبلدنا يفتقر إلى شوارع واسعة صرنا نعاني من التلوث ومن الازدحام ومن الضجيج المزعج الذي سببه هذا الكم المبالغ فيه من السيارات المستعملة والتي يقف أحدنا فاغراً فاه دهشة وهو يفكر كيف يشكو الناس من الفقر وكثير منهم يركبون السيارات التي تكلفهم مبالغ هم بحاجة إليها أصلاً؟؟!! وما يقال عن السيارات يقال عن الموبايل مثلاً, والذي صار يستخدم لا بهدف تلبية حاجة الاتصال الضروري, ولكن صار آلة تصوير وآلة تسجيل وأداة لتمضية الوقت وإزعاج الناس, وكل هذا بسبب تأثر الأفراد بالدعايات المختلفة التي تحرّض الفرد على استخدام هذا الجهاز بطرق مختلفة عما صنع من أجلها أساساً. إن هذه العادات الاستهلاكية دخلت في صميم حياتنا الاجتماعية, وصار الناس يحسبون حساباً لما سيقال عنهم إذا هم قصّروا ولم يسرفوا في إنفاق مالهم وشراء المنتجات المتنوعة في مناسباتهم المختلفة بصورة مبالغ فيها, كما في الأعراس والحفلات والمناسبات التي تتطلب شراء الهدايا. بل وحتى في الجنائز فإن مظاهر الإسراف باتت تدل على مكانة المتوفى وأهميته بين الناس, وكأن صرف المال على الجنازة سيكون من دواعي دخوله الجنة!. الأمر إذاً, هو تأثر اجتماعي كبير بما يبث في وسائل الاتصال المختلفة من إعلانات ودعايات تجارية. هذا فضلاً عن الأفكار التي دخلت إلى مجتمعاتنا وغيرت من خصائص هذه المجتمعات ومقوماتها, فالرسائل الخفية التي تبثها الإعلانات التجارية لا تهدف فقط للترويج للسلعة وإنما هي في أحيان كثيرة تهدف إلى الترويج لأفكار جديدة وعادات جديدة تتسلل إلى المجتمع دون شعور أو انتباه من أفراده. ولتوضيح هذه النقطة, ننظر مثلاً إلى الإعلانات التجارية التي تروج لمنتجات عديدة والتي تقوم غالباً بتمثيلها نساء بمواصفات معينة, فالمرأة في الإعلان التجاري غالباً ذات قوام ممشوق, وطول فارع ولطافة غريبة, وفي هذا بث لرسالة خفية ترسخ مفهوم محدد للجمال الأنثوي, فالمرأة الجميلة هي التي تشبه فتيات الإعلان, والبيت الجميل هو البيت الذي يشبه ذاك الذي يظهر في الإعلان........إلخ وفي هذا كما لا يخفى, رسائل اجتماعية تغير كثيراً من نظرة الأفراد في المجتمع لمفاهيم الجمال والقيمة الإنسانية والفنية والتربوية مما ينعكس بمجمله على عاداتنا وتقاليدنا وحياتنا بشكل عام.




الأثر الاقتصادي والسياسي للدعاية والإعلان كما أن الدعاية والإعلان لها أثر نفسي وآخر اجتماعي فإنها تؤثر في اقتصاديات الدول. وتعتبر الدخول التي تأتي عن طريق الدعاية والإعلان من أهم الدخول التي تعتمد عليها وسائل الاتصال المختلفة في الدولة كالتلفزيون والإذاعة والصحف, سواء منها العامة أم الخاصة. ويكفي لتأكيد هذه الأهمية الاقتصادية أن نذكر إحصائية وزارة التجارة الأمريكية التي قدرت عائدات التجارة الإلكترونية التي تعتمد على الترويج الرقمي بـ 30% من الدخل القومي! وبالمقابل فإن النمط الاستهلاكي غير الواعي للأفراد يكلف الدول مبالغ طائلة تذهب هدراً لإشباع حاجات غير ضرورية بسبب تأثر الأفراد بالدعاية والإعلان, ففي الولايات المتحدة التي يطلق عليها اسم أرض البدانة (60% من الأميركيين مصابون بزيادة الوزن) أصبحت البدانة السبب الرئيسي للوفيات بالتساوي مع التدخين كنتيجة مباشرة لانتشار هذه الثقافة الغذائية السيئة (ينفق الأميركيون ما قيمته 110 مليار دولار على الوجبات السريعة في حين كانت 3 مليارات دولار عام 1972)" هذه الثقافة الاستهلاكية المتأثرة بالدرجة الأولى بالإعلانات التجارية التي تصور هذه الأطعمة بطريقة تؤثر على المستهلك وتدفعه لاعتمادها رغم خطورتها. وللأسف فإننا ننساق للتقليد حتى رغم معرفتنا بخطورة ومضار هذه المنتجات, فقط بسبب استلابنا اللاواعي, وتأثرنا بالإعلانات التجارية. وفي بعض الدول يتم إنفاق أموال طائلة على العطور ومستحضرات التجميل وكريمات البشرة والمشروبات والأطعمة السريعة تكفي للقضاء على الفقر في دول العالم الثالث. وقد درس الباحثون أهمية الدعاية والإعلان في السيطرة على وسائل الاتصال واستخدامها بطرق تضمن مصالح معينة للحكومات والدول, تمكنها من القيام بسياسة مرسومة مع الأفراد مما أثّر على حرية الصحافة والإعلام, ففي أمريكا مثلاً وصف أحدهم الإعلام بأن وظيفته داخلياً هو ترويض المتلقي وكبت مشاعره المعرضة وتدجين العبودية وتجميلها بحيث تصير مقبولة، وفي الخارج تصنع عدواً لها، وتهيء الناس وتوجه مشاعر الخوف لدى الجمهور المتلقي بحيث يتفق مع أي إجراء تتخذه السلطة فيما بعد. يقول ألكسندر بانارين في كتابه الإغواء بالعولمة متحدثاً عن السيطرة الإعلامية التي استخدمت الإعلان والترويج للأفكار الغربية والأمريكية منها خاصة من أجل السيطرة على الشعوب والدول الأخرى: "لقد دلت التجربة على أن العالم العولمي ليس عالماً مترابطاً كما يؤكد لنا الليبراليون الجدد بقدر ما هو تابع, أي مُدار من قبل مركز واحد. في الوقت نفسه تعني العولمة شيئاً أكبر: إنها تشير إلى أن الزعيم العالمي المعاصر يرتكز إلى مكتسباته الاقتصادية والثقافية أكثر مما يرتكز إلى المكتسبات العسكرية التقليدية. يدور الحديث عن تجربة التبادل العولمي غير المتكافئ والذي لا يفترض نهب الأطراف الاقتصادي وحسب, بل السلطة الروحية عليها أيضاً, أي تلك السلطة نفسها التي يمكنها أن تُكسِبُ السمعة والمهابة أوالخزي والعار التي تقدس أوتدنس التي تضفي الشرعية أوتحرم منها" هذا الذي يصفه الكاتب يظهر الأثر الخطير للدعاية والترويج للأفكار الغربية التي غزت البلاد الفقيرة مهددة بمحو حضارتها وثقافتها, وجاعلة إياها خاضعة وتابعة للدول القوية التي تستغلها لمصلحتها بأبشع الصور, وما زيادة التسلح وانتشار الحروب وخراب البيئة إلا صور متعددة لوجه واحد هو الهيمنة الإعلامية الدعائية الغربية على العالم ككل. وهناك دراسات عديدة وأبحاث كثيرة أظهرت بالأرقام وبما لا يدع مجالاً للشك خطورة هذه الهيمنة ووسائلها وأهدافها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق